في عصر يتزايد فيه وعي المستهلكين بشأن قضايا البيئة والاستدامة، أصبح السؤال حول مدى استدامة الملابس التي نشتريها أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. يعتبر قطاع الأزياء من أكبر المساهمين في التلوث البيئي، حيث يساهم بشكل كبير في انبعاث الغازات الدفيئة واستهلاك الموارد الطبيعية. لذا، يبدو أنه من الضروري معالجة السؤال: هل يمكننا حقًا معرفة مدى استدامة ملابسنا؟ يعتقد الكثيرون أن وجود علامات أو شهادات استدامة على الملابس يكفي لضمان أن المنتجات صديقة للبيئة. ولكن، كما توضح خبيرة الاستدامة نينا ستيفنسون من كلية لندن للأزياء، فإنه لا يمكن اعتبار الاستدامة مجرد علامة يمكن التحقق منها. تتشعب مصطلحات الاستدامة وتتداخل، وتتعامل مع مجموعة معقدة من العوامل والعمليات. عندما ننظر إلى رحلة قطعة من الملابس، نكتشف أنها تخضع لعملية تصنيع معقدة تشمل العديد من المواد والمكونات. يُنتَج القماش من ألياف مختلفة، ويُعالج بطرق متعددة، ثم يُخاط إلى تصميم معين، بعد ذلك تُضاف اللمسات النهائية. هذه جميعها مراحل يمكن أن تؤثر في الاستدامة، لكن الشهادات قد تغطي بعدًا واحدًا فقط من هذه العملية. يتفق الدكتور مارك سومنر، المتخصص في استدامة الأزياء من جامعة ليدز، مع ستيفنسون على أن تعقيد القطاع يجعل من الصعب على المستهلكين معرفة مدى استدامة الملابس. ويشير إلى أن هناك العديد من جوانب الاستدامة، مثل استهلاك المياه، وبصمة الكربون، وحقوق العمال. هذه الأبعاد غالبًا ما لا تتم مراعاتها بالتساوي، مما يزيد من صعوبة تقييم الاستدامة بشكل شامل. تُظهر الدراسات أنه على الرغم من كل المشاريع والبرامج التي تهدف إلى تعزيز الاستدامة في الأزياء، لا يزال هناك عدم وضوح كبير حول كيفية التمييز بين الملابس المستدامة وغير المستدامة. فعلى سبيل المثال، يقدر أن 1% فقط من الملابس يتم إعادة تدويره إلى منتجات جديدة، مما يشير إلى النقص في أنظمة إعادة التدوير الفعالة. إذا لم نستطع معرفة ما إذا كانت الملابس مستدامة حقًا، فما الذي يمكننا فعله؟ توصي ستيفنسون ببداية جديدة لمفهوم التسوق. يمكن للمستهلكين التفكير في شراء قطع أقل، وزيادة وعائهم للثياب المستعملة، والبحث عن طرق مبدعة للعثور على الملابس، مثل المتاجر الخيرية أو الأسواق الشعبية. الأمر لا ينتهي عند الشراء فقط، بل يتعين على المستهلكين الاعتناء بالملابس التي يفضلونها. فالعناية بالملابس يمكن أن يزيد من عمرها ويقلل الحاجة لشراء الجديد، مما يساهم في الحفاظ على الموارد. يُنصح بعمليات غسيل أكثر وعيًا واستخدام أساليب إصلاح بسيطة بدلاً من التخلص من الملابس التالفة. ولا يقتصر الأمر على العناية بالملابس، بل يجب أن يكون لدينا وعي أكبر عند البحث عن علامات تجارية تخدم قيمنا. يعد فهم ظروف الإنتاج والمواد المستخدمة من العناصر الرئيسية في اتخاذ قرارات شراء مدروسة. يمكن للمستهلكين قراءة تقارير شركات الأزياء وسياسات الاستدامة المرتبطة بها، مما يساعدهم على اتخاذ خيارات أفضل تتماشى مع ممارساتهم الأخلاقية. الخطوة الأخيرة تتمثل في الحصول على معلومات كافية حول قضايا الاستدامة. إذ يمكن للمستهلكين بناء وعي أكبر بشأن تأثير الملابس على البيئة والمجتمع. زيادة الوعي تؤدي إلى خيارات مدروسة، وتساهم في تغيير سلوكيات الصناعة بشكل عام. لا شك أن فكرة الاستدامة في صناعة الأزياء معقدة، لكن تحسين سلوكياتنا في الشراء والاهتمام بتفاصيل ما نشتري يمكن أن يكون لهما تأثير كبير. ربما لا نستطيع معرفة كل شيء عن كيف يتم إنتاج الملابس، لكن بإمكاننا أن نكون جزءاً من الحل، من خلال اتخاذ خيارات مدروسة، والبحث عن الشفافية في العلامات التجارية، واحتضان ثقافة الاستهلاك الواعي. ختامًا، يمكن القول إنه في الوقت الحالي، قد لا تكون لدينا الإجابة الجاهزة حول مدى استدامة ملابسنا، لكن يمكننا العمل معًا لوضع أُسس لمستقبل أكثر استدامة. إن جهودنا المشتركة، بما في ذلك تقليل الاستهلاك، إعادة الاستخدام، والبحث عن خيارات مستدامة، يمكن أن تؤدي في النهاية إلى بيئة أنظف وصناعة أزياء أكثر وعيًا وتأثيرًا إيجابيًا على المجتمع.。
الخطوة التالية